AMINE ATEF SALIBA

الكرة الطائرة في لبنان

نرجو اعلامنا عن كل نقص او تعديل

AMINE ATEF SALIBA

العميد الدكتور امين عاطف صليبا

عضو في تجمع  قدامى الكرة الطائرة في لبنان

العميد الدكتور امين صليبا ، لاعب الكرة الطائرة في العصر الذهبي في جمعية الانطلاق الرياضي انفه ، عميد متقاعد في قوى الامن الداخلي ، أستاذ القانون الدستوري في الجامعة اللبنانية (الفرع الثالث) والدراسات العليا في الجامعة العربية

أمين صليبا: قانون الاستملاك.. مفاعيله على الملكيّة الفرديّة… جان توما

04-08-2020
عالج البروفسور أمين عاطف صليبا في كتابه الجديد موضوع: قانون الاستملاك: مفاعيله على الملكيّة الفرديّة (عن المؤسسة الحديثة للكتاب، لبنان، 2020). يأتي الكتاب على وقع ″الحجر الإلزامي الذي فرضه وباء الكورونا على العالم، أتاح لي فرصة إتمام هذا الكتاب الذي كنت قد باشرت به منذ أكثر من سنة(…) وفرضت الجائحة عليّ كغيري عدم الخروج، وبالتالي الانصراف إلى الكتابة وإتمام هذا الكتاب″.

يقدّم الكتاب “للأجيال القادمة قائلًا لها بأنّ الغاية منه، هي تحقيق هدفين:

الأوّل: وضع دراسة عن الاستملاك تخرج عن المفهوم الكلاسيكي للكتب السابقة في هذا المجال، ومن يقرأ سيدرك ما قصدت من وراء هذا الكلام.

الثاني: لكي تبقى الذاكرة حيّة من أنّ لبنان والعالم تعرّضا متذ بداية 2020 لوباء قاتل من″فيروس″ مجهول المصدر لا يرصد إلّا بالمجهر أطلق عليه اسمًا على مسمى وهو الفيروس الشيطاني الذي فرض الحجر على العالم أجمع″.

يتّضح من مسرى الكتاب توسّعه في بحث موضوع الاستملاك في غياب الدراسات المتوسّعة فيه الذي هو بحسب محكمة التمييز اللبنانيّة في قرارها رقم 37 تاريخ 10/ 10/ 1966، ″عمل قضى بموجبه للسلطة على الفرد أن يتفرّغ عن ملكيّة عقارية في سبيل الصالح العام لقاء تعويض عادل يعرض عليه″.

عرف لبنان الاستملاك منذ قبل نيله الاستقلال “بحسب النظام القانوني العثماني الصادر عام 1328 هجري (1910- 1911) ، كما أنّ لبنان عام 1926 اكتسب هذه االقاعدة الدستورية عن دستور الجمهورية الثالثة الذي كان معتمدا قي فرنسا”.

من هنا طرح المؤلّف إشكالية محدّدة تتمحور حول عدالة قوانين الاستملاك خاصة في ظلّ وقائع حصلت في الماضي تؤكّد بأنّ بعض الإدارات لا سيما البلديات قد توسّلت قانون الاستملاك النافذ في حينه لنزع الملكيّة الفرديّة دون أن تكون المعالجة التي اعتمدها مجلس شورى الدولة من أنّ “المنفعة العامة هي مقياس الاستملاك”.

قام المؤلف بدراسة قانون الاستملاك المطبق حاليا في لبنان والتطرّق إلى النزاعات التي تعترض مسيرة علميّة الاستملاك، لأنّه لهذه العملية الاستملاكيّة لها عدّة مراحل متتابعة، حيث لا يمكن للإدارة أن تنزع الملكيّة الفرديّة من صاحبها إلاّ بعد استنفاد تطبيق تلك المراحل”.

كما أشار المؤلف إلى “أنّ عمليّة الاستملاكات تندرج من الاستملاك العادي إلى الاستملاك المستعجل وصولا إلى الاستملاك غير المباشر وإلى الاستملاك الناتج عن التخطيط وإلى المصادرة بنوعيها العسكري والمدني كون المصادرة تعدّ خروجًا عن مفاهيم قانون الاستملاك وإن لجأت إليها الإدارة وفق تشريعات قديمة والتي جاء القانون رقم 550 تاريخ 20/10/ 2003 ليوحّدها وليضفي عليها قوّة قانونيّة”.

هذا ويجيب المؤلف في كتابه على سؤال محوري هو التالي: “هل إنّ التعديل الذي طال قانون الاستملاك عام 2006 وقانون المصادرة الجديد 550/ 2003 قد حسّنا الضمانات المعطاة للمواطن المستملكة ملكيته أم مصادرة لمصلحة الإدارة”.

يخلص المؤلف إلى المقارنة بين النصّ القانوني اللبناني والفرنسي مشيرًا إلى أنّ “المشترع الفرنسي أناط إيلاء التحقيق إلى أشخاص يتمتعون بالكفاءة الفنّية والقضائيّة حيث يتمّ تعيينهم من قبل رئيس المحكمة الإداريّة ضمن نطاقة الإقليمي، وفي حال اعتمد المشرّع اللبناني مثل هذه النّصوص يمكن القول إنّ المواطن فعلا ملكيته في حمى المادة 15 من الدستور حيث لا تترك الإدارة على مزاجيتها في هذا المجال”.

يبقى أن البروفسور أمين صليبا اعتمد صورة الواجهة البحريّة “لمسقط رأسي بلدتي أنفه الضاربة في عمق التاريخ” للدلالة على كيف خطط مسؤولو ذلك الزمان الغابر، لأجل ضمانة سلامة جماعتهم من خلال تحويل هذا الرأس الصخري إلى قلعة للاحتماء”.

ختامًا يشير المؤلف إلى أن هذا الكتاب وهو الثامن “وقد يكون الأخير في مجموعتي بهدف إغناء المكتبة القانونيّة اللبنانيّة والعربيّة” ونرى أن يبقى حرف “قد” هنا للتقليل، وليس للتحقيق، فالمكتبة لا تشبع من الكتب ولو تساقطت أوراق القرطاس لمصلحة الكتاب الإلكتروني.

ندوة حول كتاب آلية المراجعة أمام عدالة القضاء الإداري للبروفسور أمين صليبا في نقابة المحامين في طرابلس

08-03-2019

 نظمت نقابة المحامين في طرابلس، ندوة حول كتاب البروفسور المحامي أمين صليبا، بعنوان "آلية المراجعة أمام عدالة القضاء الإداري مالها وما عليها -دراسة مقارنة"، في دار النقابة في طرابلس، في حضور فادي محسن ممثلا الرئيس نجيب ميقاتي، الرئيس الأول في الشمال القاضي رضا رعد ممثلا وزير العدل الدكتور البرت سرحان، المحامية سليمة أديب ممثلة الوزير السابق اشرف ريفي، نقيب المحامين في طرابلس محمد المراد، متروبوليت طرابلس والكورة وتوبعهما للروم الارثوذكس المطران افرام كرياكوس، الشيخ عبد الرزاق اسلامبولي ممثلا مفتي طرابلس والشمال الدكتور مالك الشعار، العقيد حسن شرف ممثلا قائد الجيش العماد جوزاف عون، العميد ريمون أيوب ممثلا المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم، العقيد ريمون خليفة ممثلا المدير العام لقوى الامن الداخلي اللواء عماد عثمان، الرائد محمد طوط ممثلا المدير العام لامن الدولة اللواء طوني صليبا، الملازم ايميل الدويهي ممثلا المدير العام للجمارك اللبنانية بدري ضاهر، الرائد يوسف العيسى ممثلا رئيس فرع مخابرات الشمال العميد كرم مراد، لقمان الكردي ممثلا محافظ الشمال رمزي نهرا، نائب رئيس المحكمة الروحية الارثوذكسية الاب ابراهيم شاهين، النقيبين السابقين فهد المقدم وعبد الله الشامي، شخصيات قضائية، حقوقية وإجتماعية ومحامين بالإستئناف ومتدرجين ومهتمين.

البداية بكلمة ترحيبية من رئيسة اللجنة الإجتماعية في نقابة المحامين في طرابلس الأستاذة رضا شاهين، عرفت فيها بالعميد الدكتور أمين صليبا، الرئيس السابق لهيئة الأركان في قوى الامن الداخلي، وقالت: "رجل من رجالات الدولة المشهود لهم بالجدارة والكفاية، حائز على دكتوراه دولة في القانون العام بعنوان دور القضاء الدستوري في إرساء دولة القانون، وهو المشبع بثقافة فكرية وحقوقية والمحاور في المنتديات المحلية والمنابر العالمية، مثل لبنان في مؤتمرات وطنية ودولية حول حقوق الانسان والحريات العامة، كما شارك ايضا في عدة مؤتمرات قانونية ذات طابع إقليمي ودولي تتعلق بدور القضاء وإستقلاليته".

المراد

ثم تحدث النقيب المراد: "بعد عامين سنحتفل سويا على مرور مئة عام على تأسيس هذه النقابة، التي آمنت بلبنان، كما آمنت بحرياته وإستقلاله، وهذه المناسبة بالذات لها نكهتها الخاصة، ولها ذلك العبق الذي يفوح منه معاني علم الإدارة، مبادىء العلم الإداري، نلتقي لنؤكد أننا على عكس ما يقال، فنحن كما يهمنا داخلنا، وتأسيس وتفعيل دور هذه المؤسسة، حريصون أيضا على بعد المؤسسة الوطني والتشريعي، والمؤسسي".

وتابع: "هذا اللقاء له أهميته لسببين، الأول : في بعض الأحيان هذا الموضوع بالذات قد لا نقاربه كثيرا، في إطار المراجعات أمام مجلس شورى الدولة، والسبب الثاني: أن إبن النقابة أراد أن يقدم لنا جميعا، خلاصة فكره وإجتهاده ورؤياه، بعدما عركته الحياة، وأصبح شخصية تجتمع فيها، روح الأمن والإستقرار، ليستكملها بإنتظام القانون، وبخاصة القانون الإداري، فهل هو شخصية ملتبسة؟ أم متكاملة؟، وهذا سؤال أراد الدكتور صليبا أن يطرحه بفعل إرادته، وبكتاباته ومسيرته، ليقول لنا هل أنا شخصية ملتبسة بين الأمن والقانون، وأنا اجيب عليه اليوم، أننا كنقابة محامين ومحامين، وكقضاة، وكأمن وإدارة، إنها منظومة واحدة، منظومة قضائية حقوقية أمنية إدارية، رسالتنا جميعا واحدة، وهدفنا واحد هو الإنسان، وخدمة المواطن بعينه، ونحن جميعا وسيلة لتحقيق هدف، فالهدف بتحقيق العدالة بكل جوانبها يتحقق من أجل الإنسان وكرامته".

وأضاف: "أمين صليبا، ليست شخصية ملتبسة، إنما شخصية منتظمة، بعقل أمني بدأ، ولكنه أراد أن يلفظ التقاعد، فأراد أن يجدد حياته، ليبتكر توازيا مع ذلك معاني التطوع، لأنه مؤمن بالإنفتاح والإستمرار، ليستكمل مسيرته، علما وإدارة، محاميا مبدعا منتجا".

وعن موضوع الندوة، قال: "لدي سؤالان، نحن نعاني، عدالة أم إنتقاصا للعدالة؟ فكل درجات التقاضي على درجتين أو اكثر، لكن الواقع يقول أن درجة التقاضي في مجلس شورى الدولة تقريبا درجة واحدة. والسؤال الثاني للمواطن الذي يفرح عند صدور الأحكام، بتعويض هنا أم هناك، وعندما يأخذ الحكم ويذهب لتتبع هذا القرار، فيصل الى طريقٍ مسدود، وهذا للاسف واقع الحال، فهل سنبقى هكذا؟ أم علينا جميعا أن نفكر كيف لنا أن ننصف المواطن؟ فالإدارة رغم انها خصم شريف، لكن في بعض الحالات يشعر المواطن بظلم ما عندما لا يستطيع الحصول على حقه بحكم الحق وبحكم الحكم".

صادر

ثم ناقش الرئيس السابق لمجلس شورى الدولة شكري صادر الموضوع الذي يتضمنه الكتاب قائلا: "عندما نقرأ عنوان هذا الكتاب تلفتنا عبارة مالها وما عليها، وعندما تغوصون في الكتاب ستجدون ما عليها أكثر مما لها، فالقانون الإداري جامد منذ العام 1975، لذلك أفهم أن نكون متخلفين عن باقي البلدان النامية من ناحية تطوير القانون الإداري لدينا".

وعن الكتاب موضوع الندوة، قال صادر: "مرآة للواء البروفسور أمين صليبا، فيه شمولية في العلم، فقد راجع المراجعة الإدارية منذ بدايتها الى نهائيتها، وما يمكن أن يمر بها من عقبات أمام القاضي والمتقاضي، فيه علم لدرجة أن يعتبر هذا الكتاب من المراجع في القانون المقارب، لأنه عدد ووصف واقع الحال بمجلس شورى الدولة الفرنسي، وقام بمقارنة مع تكوين مجلس الشورى ودوره وعقباته في القوانين الواردة في نظام مجلس شورى الدولة اللبناني، الذي اقتبس من قانون مجلس الشورى الفرنسي، حيث أضاء على الفرق في التطور بين مجلس الشورى في فرنسا ولبنان، كما يحتوي الكتاب على تجرد كامل، وأهم ما في هذا الكتاب هي الجرأة، فالبروفسور أمين صليبا، لم يكتف بوضع يده على الجرح، بل أعطى الحل الأسلم لحل هذه المعضلة التي نمر بها أثناء التقاضي أمام مجلس شورى الدولة".

وأضاف صادر: "في آخر 5 سنوات لي في شورى الدولة، كنت دوما أقول اننا نقوم بمقاومة الضغوط والتدخلات، حتى يبقى لدينا قضاء سليم، ونسلم على الأقل مؤسسة قابلة للتطور، فإذا أردت أن تبقى قاضيا حرا، عليك أن لا تخضع لأي ضغط سياسي كان".

وختم: "لا بد من ان ينظر بجدية الى المحاكم الإدارية في المحافظات، ولو موقتا عن طريق قاضي اداري واحد في المحافظة ومن الممكن بداية قاض اداري لأكثر من محافظة لانطلاقة عدالة القضاء الاداري.

صليبا

ثم توجه الدكتور صليبا بالشكر للنقيب المراد على إصراره على إقامة هذه الدورة وتوقيع الكتاب في دار نقابة طرابلس، ثم قال: "إختصرت الكثير في كتابي، لكن ليس على حساب المضمون، ومن خلال أبحاثي إتضح لي أنه ولغاية اليوم لا يزال الفقه وأحيانا الإجتهاد الفرنسيين ينظران بحذر الى دور القضاء الإداري، وها هو اليوم أحد كبار فقهاء القانون الإداري في فرنسا، يوصف في كتابه القانون الإداري الفرنسي بقانون اللامساواة، واذا كان الرأي الحديث في الفقه الفرنسي على هذا المستوى من التفكير في عدالة القضاء الإداري، رغم وجود 3 درجات من التقاضي أمامه، اضافة الى درجة رابعة فريدة من نوعها، وهي حق الفرنسي المتضرر من حكم القضاء الفرنسي باللجوء الى المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان، فكيف يمكن اذا وصف حال المتضرر اللبناني الذي لا سبيل له الا درجة واحدة من التقاضي أمام مجلس الشورى، واذا ما تحققت معجزة واستطاع المتضرر من الإفادة من إحدى الشروط الثلاثة التعجيزية الواردة من نظام مجلس الشورى، فالقانون يفرض عليه تقديم طلب الإعادة في نفس الغرفة، فآية عدالة ينتظرها اللبناني من درجة واحدة في التقاضي".

وأضاف صليبا: "أود ان اتوجه من منبر هذا الدار العريق، منبر إحقاق الحق وصون العدالة، الى رأس الدولة، فخامة الرئيس ميشال عون، والى رئيس الحكومة سعد الحريري، والى جميع الوزراء لا سيما الصديق وزير العدل ألبرت سرحان، لأنهم جميعا يشكلون النواة الصلبة التي تدير الإدارة داخل السلطة اللبنانية لأطالبهم بأمرين:
الأول: سرعة العمل على تعديل نظام مجلس شورى الدولة، بالتنسيق مع المجلس النيابي وعلى رأسه رجل القانون الرئيس نبيه بري، فلا يجوز الإبقاء على قانونٍ مضى عليه حوالى النصف قرن.
والثاني: كون السلطة التنفيذية تمثل الإدارة، والتي من المفترض أن تكون الأب الصالح، كما درسنا في علم الإدارة، نطلب منكم معاملة المواطن والموظف معاملة الأبوة، وأن لا تنظروا اليه على انه خصم للإدارة، وان تكون قراراتكم هادفة لتقويم الآداء ليس الا".

وتوجه الى المواطن المتضرر، قائلا: "عندما تتقدم بمراجعتك أمام مجلس الشورى، تكون خصومتك مع القرار الغداري، المشوب بمخالفة القانون، ولست بخلاف مع شخص سواء اكان وزيرا او مديرا عاما أو محافظا، ام رئيس بلدية".

وختم صليبا مقتبسا ما خطه الخبير في علم القانون العلامة حسين الرافعي، قائلا: "مهما سعينا لتطوير آلية التقاضي امام القضاء اللبناني، تبقى كل المساعي قاصرة عن تحقيق الهدف المرجو، طالما لا يواكب ذلك تحصين ذاتي من قبل القضاة انفسهم، في وجه التدخلات السياسية في مجال عمل هذا القضاء، الذي شئنا أم ابينا على تماس مع مصلحة الإدارة".

ثم، وقع صليبا كتابه، وكان حفل كوكتيل للمناسبة.

مخصصات النواب بين فرنسا ولبنان

رأي أمين صليبا الإثنين 8 تشرين الأول 2012
الاخبار
استوقفتني مقالة نشرت في جريدة «لو فيغارو» يوم الخميس في 27/9/2012 بقلم الصحافية صوفيا هويه (Sophia Huet) بعنوان «حين يشغل النواب عائلاتهم معهم» (Quand les deputes font travailler leur famille). يتبين من هذه المقالة المستندة الى كتاب النائب رينيه دازيير (Rene Dasiere) «الدولة تتبع حمية» (L’Etat au Regime) انّ النواب الفرنسيين الذين يكلفون افراداً من عائلاتهم للعمل معهم في البرلمان هم حوالى 10% من عدد النواب البالغ 577 نائباً.ان بيت القصيد من هذه المقالة ليس تكليف افراد العائلة بالعمل (القانون الفرنسي يسمح بذلك) بل قيمة المبلغ الذي يتقاضاه النائب الفرنسي كمخصصات شهرية والبالغ 9138 يورو، اي ما يعادل بالليرة اللبنانية حوالى 15 مليون ليرة لبنانية. والنائب صاحب الكتاب يطالب بخفض هذه المخصصات عصراً للنفقات في فرنسا، ويقترح توسيع الاستعانة بافراد العائلات بسبب اجورهم المنخفضة، مما يجعل النائب مكتفياً بعد الخفض بما يخصص له شهرياً.
النائب الفرنسي يتقاضى مخصصات بالكاد تلامس 8 اضعاف الحدّ الأدنى للأجور في فرنسا، البالغ حوالى 1200 يورو، بينما النائب اللبناني يتقاضى مخصصات كانت توازي ــ قبل الزيادة المقترحة حالياً ــ حوالى 20 ضعفاً للحدّ الأدنى للأجور في لبنان. وإذا ما اقرّت الزيادة المقترحة فستلامس النسبة حوالى 27 ضعفاً للحدّ الأدنى. فضلاً عن انّ النائب في فرنسا عند مغادرته البرلمان ــ أي عدم الفوز بولاية ثانية ــ تحجب عنه هذه المخصصات، خلافاً لما هو معتمد في لبنان حيث يبقى النائب ومن بعده عائلته مستفيداً من هذه المخصصات لمدى الحياة، طبعاً وفق ما هو محدّد من نسب قياساً على عدد الدورات التي نجح فيها (طبقاً لاحكام القانون رقم 25 تاريخ 25/9/1974ــ 55% أو 65% أو 75% من المخصصات). هذه المخصصات يترتب عنها مبالغ ضخمة على الخزينة اللبنانية التي يغذيها المكلف اللبناني، والتي قدّرت زيادتها السنوية مبدئياً بخمسة مليارات ليرة لبنانية.
علينا مواجهة الحقائق وليس الالتفاف عليها، فالنائب الفرنسي يصرف من مخصصاته المرتبطة بعضويته النيابية، في بلد لا نقاش حول ارتفاع كلفة العيش فيه، ورغم ذلك بالكاد تلامس ثمانية اضعاف الحد الادنى. وهناك اصوات فرنسية ومن داخل البرلمان تطالب بالخفض. بينما في لبنان نرى الانقسام الواضح حول مبدأ اقرار الزيادة للرؤساء والوزراء والنواب، إذ تميل الدفة لصالح الإقرار، ولا نرى بالمقابل سوى اصوات معدودة ترفض هذا الأمر، على غرار ما ورد في مقالة الصحافي الاستاذ سمير منصور («النهار» في 30 أيلول الماضي) بعنوان «... وماذا عن زيادة المخصصات؟»، إذ يطالب بخطوة جريئة تقضي بخفض رواتب (الأصح مخصصات) الرؤساء والوزراء والنواب الى النصف «احتراماً لمشاعر الناس وتخفيفاً عن كاهلهم».
نعم الواقع المالي للخزينة اللبنانية، وعجزها الذي لامس ارقاماً خيالية، يفرضان اللجوء الى مثل هذه الخطوة، لأن الرؤساء والحكومة والنواب يعلمون تماماً ما هي حقيقة المأزق المالي، وكيف انهم عاجزون عن ايجاد المخرج الملائم لتغطية كلفة زيادة سلسلة الرتب والرواتب الجديدة للقطاع العام، الذي في غالبيته المطلقة ينوء تحت كلفة المعيشة. إذ لا تكفي الرواتب الشهرية لمصروف 20 يوماً من الشهر، هذا في أحسن الحالات، ولمن تتجاوز معاشاتهم الشهرية ثلاثة ملايين ليرة لبنانية (أي أقل من نصف الزيادة المقترحة للرؤساء والنواب)، وهؤلاء نسبتهم متدنية جداً قياساً على عديد القطاع العام.
مقالتنا هذه ليست موجهة بخلفية شخصية، للرؤساء والوزراء والنواب (الحاليين والسابقين) بقدر ما هي لفت الانتباه الى الواقع المرير الذي يعانيه الشعب اللبناني. إذ اصبحنا اليوم نخاف اذا اراد احد المسؤولين مستقبلاً، ترداد نصيحة ماري انطوانيت للشعب الفرنسي الذي كان يطالب من جوعه، بالخبز يوم ذاك، بأن يأكل البسكويت، ان لا يكون بمقدور غالبية الشعب اللبناني دفع ثمن البسكويت، وعندها ما نفع زيادة المخصصات، وما نفع الندم!
* استاذ جامعي

ترحيل السوريين: نقاش سياسي أم قانوني؟

رأي أمين عاطف صليبا الجمعة 10 آب 2012
الاخبار
يبدو النقاش الذي تشهده البلاد في موضوع ترحيل الأمن العام اللبناني لبعض السوريين إلى بلادهم نقاشاً سياسياً لا علاقة له بالقانون. قرار الأمن العام بترحيل من انتهت محكوميتهم من السوريين قرار لا تشوبه أي شائبة قانونية. لقد جاء هذا القرار تطبيقاً للقانون اللبناني (م32 أجانب و88 ق.ع.) الذي ينص على وجوب تسليم كل أجنبي للأمن العام بعد تنفيذ الحكم بحقه لكي يعمل هذا الجهاز على ترحيله إلى بلاده، من دون تحديد لمهلة التنفيذ أو كيفيتها، أو حتى من يتحمل كلفة الترحيل. لهذا، رأينا في الماضي كم من الحملات شنت على الأمن العام بسبب إبقائه العديد من الأجانب ـــ من غير السوريين؛ لأن ترحيل السوريين لا يتطلب كلفة ليس بمقدور الأمن العام تحملها ـــ موقوفين لديه من دون ترحيل بسبب كلفة الترحيل جواً أو لافتقارهم إلى الأوراق الثبوتية، إذ لم تحرك دولهم ساكناً لمنحهم تلك الأوراق تمهيداً لترحيلهم.إن قرار ترحيل السوريين أسس لحملة سياسية لم تقتصر تداعياتها على الصراع السياسي اللبناني الداخلي، بل تجاوزتها إلى تدخل دولي فاقع، حتى ولو كان لإهداف إنسانية؛ إذ إن الصحافة اللبنانية أشارت إلى أن ممثل الأمين العام في لبنان السيد ديريك بلامبلي وسفيرة الاتحاد الأوروبي أنجيلينا إيخهورست بعد لقائهما بعض المراجع الرسمية والسياسية صرحا بأنهما لا يزالان غير مقتنعين بالمبررات التي أدت إلى ترحيل السوريين الـ14، وشددا على أن المعاهدة الدولية التي وافق عليها لبنان في 2000 تلزمه عدم التسليم على أساس أولوية القانون الدولي على القانون الداخلي.
أولاً، نقول لأهل السياسة في لبنان: كفى تجريحاً بالمؤسسات اللبنانية، ولا سيما ما يتصل منها بالمؤسسات الأمنية. ونقول للمؤسسات الدولية: صحيح أن أولوية تطبيق القانون الدولي على القانون الداخلي واجبة، لكن بشرط إثارتها أمام القضاء المختص (لأنها ليست من الانتظام العام الذي يمكن القاضي إثارته من تلقاء نفسه)؛ لأن القضاء اللبناني من واجبه تطبيق القانون الوطني، إلا إذا أُثير دفع أمامه من محامي الدفاع، أو المتهم، بوجوب تطبيق المادة 2 من ق.أ.م.م. لكون القانون اللبناني مخالفاً لأحكام المعاهدة الدولية (تقدّم المعاهدة على القانون الداخلي). عندها يمكن القاضي الوطني إعطاء المعاهدة الدولية أولوية على القانون الداخلي. أعتقد أن هذا الكلام واضح لرجال القانون، وها هو حكم القاضي المنفرد الجزائي في جب جنين الصادر بتاريخ 26/6/2012 خير شاهد على ذلك؛ إذ تقيد الأمن العام بهذا القرار، وهنا يتحمل محامي الدفاع دون غيره (أو المتهم نفسه) وزر طلب عدم قانونية تسليم المخلى سبيلهم من السوريين لترحيلهم إلى سوريا، طبقاً للقانون اللبناني. ونحن على ثقة ومن خلال خبرتنا السابقة، بأنّ القضاء اللبناني لم يدرج في حكمه (المتعلق بترحيل السوريين الـ14) أي تدبير بهذا الخصوص مخالف للنص اللبناني الواجب التطبيق من الأمن العام. لذلك على سعادة السفيرة العودة إلى قرارات مجلس الدولة الفرنسية والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان حول قضايا ترحيل الأجانب من أوروبا، والقوانين المطبقة بهذا الشأن.
خلاصة القول: لا يجوز قانوناً، تحميل الأمن العام اللبناني وزر تطبيق القانون اللبناني المتعلق بترحيل الأجانب، ما دامت المسألة لم تثر أمام القضاء المختص لكي يقرر، وقراره ملزم للأمن العام ولغيره من مؤسسات الدولة. وكان الأجدى بالمؤسسات الدولية (التي نحترم) والتي تدعي السهر والحفاظ على حقوق الإنسان، تكليف جمعية من جمعيات المجتمع المدني (ما دامت الأحكام قد صدرت بحق هؤلاء)، الممولة من قبلها ـــ وما أكثرها في لبنان ـــ والتي تتمتع بالشخصية المعنوية تقديم طلب وقف تنفيذ هذا القرار وإبطاله، لمخالفته المعاهدة الدولية الموقعة من لبنان عام 2000. وإذا رفض القضاء اللبناني هذا الطلب، عندها يمكن التسليم بحق الجهات الدولية من التشكيك، بصدقية الدولة اللبنانية في التقيد بتعهداتها الدولية.
ارحموا المؤسسات الأمنية، ولا سيما من الوسط السياسي اللبناني، وكفى تشكيكاً بصدقيتها العملانية، لكونها تسهر على تطبيق القانون. هي تتمتع ببعض الاستنسابية في التنفيذ، وهذا يعتبر من صلب اختصاصها. ولهذا نسأل من يعترض اليوم على قرار الترحيل هذا: ألم يمارسوا يوم كانوا في السلطة ـــ شأنهم شأن من يتولاها اليوم ـــ سلطتهم الاستنسابية بإفراط قلّ نظيره. لبنان توّاق إلى تجسيد دولة القانون، ومؤسساته الأمنية في الطليعة؛ لأن أعمالها لا تقع تحت رقابة المعارضة اللبنانية فقط، بل هي هدف دائم للجهات الدولية، وخاصة في هذا المخاض الإقليمي والصراع الدولي على مستقبل المنطقة، ولا سيما العربية.
نحن مع الحفاظ على سلامة كل إنسان مهما كانت جنسيته، لذلك لا يمكن المزايدة في هذا المجال، لأن حقوق الانسان هي منة الله وحده تعالى، وعلى السلطات أينما وجدت (لبنانية، إقليمية أو دولية) السعي الدائم إلى الحفاظ عليها، وترك المزايدات جانباً.
*أستاذ القانون الدستوري في الجامعة اللبنانية (الفرع الثالث) والدراسات العليا في الجامعة العربية
 

في قانونية إعادة التصويت على القوانين في المجلس النيابي

رأي أمين عاطف صليبا الجمعة 13 تموز 2012
الاخبار
هبّت عاصفة سياسية إثر التصويت على بعض القوانين في المجلس النيابي خلال الجلسة التشريعية الأخيرة، ولا سيما التصويت على القانون المتعلق بتثبيت جباة مؤسسة كهرباء لبنان، ما حمل البعض على المطالبة بضرورة إعادة التصويت على ذلك القانون؛ لأنّ النتيجة كانت 42 مع و40 ضد؛ إذ لم يتأخر الرئيس بري بالرد بقوله: «من يطالب بإعادة التصويت على القانون فهو واهم».
والموضوع المطروح بحثه هو «هل يجوز إعادة التصويت على القوانين بعد إعطاء نتيجة التصويت في البرلمان أم لايجوز ذلك؟». بطبيعة الحال، إنّ الدستور والنظام الداخلي يحددان ذلك، لا المواقف السياسية.
نصت المادة الـ 36 من الدستور على ما يأتي: «تعطى الآراء بالتصويت الشفوي أو بطريقة القيام والجلوس، إلّا في الحالة التي يراد فيها الانتخاب فتعطى الآراء بطريقة الاقتراع السري، وأما في ما يختص بالقوانين عموماً أو بالاقتراع على مسألة الثقة، فإنّ الآراء تعطى دائماً بالمناداة على الأعضاء بأسمائهم وبصوت عالٍ». ثم جاء النظام الداخلي للمجلس النيابي ليدخل في تفاصيل كيفية التصويت من خلال المواد 77 حتى 88، إذ أكدت المادة الـ81 ما يأتي: «يجري التصويت على مشاريع القوانين مادة مادة بطريقة رفع الأيدي، وبعد التصويت على المواد يطرح الموضوع بمجمله على التصويت بطريقة المناداة بالأسماء». تبعاً لذلك، نسأل: هل نصّ النظام الداخلي للمجلس على أسباب تستدعي إعادة التصويت؟ لقد حددت المادة الـ 88 من النظام الداخلي ما يأتي: «إذا حصلت شبهة حول أي تصويت جرى بطريقة رفع الأيدي وطلب خمسة نواب على الأقل إعادة التصويت، وجب إعادته وإجراؤه بطريقة القيام والقعود أو بطريقة المناداة بالأسماء».
من دون الدخول في تفاصيل ما حصل في الجلسة النيابية، يمكننا الاستنتاج أنّ من المفترض أنّ التصويت حصل وفق المادة 81 من النظام الداخلي، أي التصويت بطريقة المناداة بالأسماء، وعليه تحتجب إمكانية المطالبة بتطبيق نص المادة 88 الآنفة الذكر التي في حال توافر شروطها، كان يقتضي طلب ذلك (إعادة التصويت) أثناء الجلسة (التصويت على بنود القانون برفع الأيدي)، لا بعد الانقضاء وفقاً لمنطوق المادة 88 أعلاه. لهذه الأسباب يُعَدّ التصويت الذي حصل صحيحاً (طبقاً لأحكام المادة 81 أي بالمناداة بالأسماء، لا برفع الأيدي) ولا تشوبه أي مخالفة دستورية أو مخالفة للنظام الداخلي، كي يطالب بإعادة التصويت عليه.
لكن إذا كان المقصود بطلب إعادة التصويت تمكين بعض النواب من العدول عن تصويتهم السابق، فهذا بحث يقتضي شرحاً آخر؛ إذ إنّ النائب عند ممارسته حقوقه الدستورية (تصويت في الهيئة العامة ــ طعن أمام المجلس الدستوري) إنما يمارس تلك الحقوق بصفته العامة، لا بصفته الشخصية. وعندما يقوم بذلك لا يعود بمقدوره الرجوع عن خياره. ذلك ما أكده المجلس الدستوري في قراره رقم 2/1995 تاريخ 25/2/1995، عندما قرر بعض النواب سحب تواقيعهم عن صحيفة الطعن بدستورية قانون بموجب كتاب وجّه إلى المجلس الدستوري. فقد قرر يومها ما يأتي: «حيث إنّ أصحاب الحق في المراجعة أمام المجلس الدستوري عندما يستدعون ابطال أحد القوانين بسبب عدم دستوريته، يقومون بممارسة حق دستوري ممنوح لهم بصفتهم العامة. وحيث إنّه ليس لمثل هذه المراجعة طبيعة الخصومة الشخصية. وحيث إنّ هذه المداعاة الناشئة عن تكليف دستوري غير قابلة للرجوع عنها بعد تسجيلها القانوني لدى المجلس الدستوري». استناداً إلى ذلك، رفض المجلس الدستوري سحب تواقيع النواب، ليؤسس بذلك اجتهاداً رائداً طبّقه المجلس الدستوري الفرنسي بعده بسنوات.
إنّ ما ينطبق على عدم جواز سحب التوقيع للنائب عند ممارسته حقاً دستورياً، إنما ينسحب أيضاً على العدول عن التصويت، لأنّ التصويت ناتج من ممارسة حق دستوري، لا حق شخصي. بالتالي، إنّ المطالبة بإعادة التصويت على القانون (إذا حصل وفق الأصول)، انما هي أمر غير جائز دستورياً ولا قانونياً، كي لا نقول إنّ من طالب به واهم.
في ضوء هذه الإشكالية، ومنعاً لتكرارها، لا بدّ من مطالبة المجلس النيابي بضرورة تعديل نظامه الداخلي، بهدف اعتماد التصويت الإلكتروني، أسوة بدول العالم أجمع، ومن بينها فرنسا، التي اعتمدته منذ أكثر من نصف قرن. إذ نحن لا نزال مقيدين بنص المادة الـ 36 التي وضعت في 1926 نقلاً عن دستور الجمهورية الثالثة، التي وإن كانت سهلة التطبيق مع مجلس كان عديده نصف الحالي، إلا أنها لم تعد تفي بالمطلوب، بعد أن أصبح عديد المجلس 128 نائباً، وخاصة أنّ فرنسا، من خلال المادة 27 من دستورها أجازت التصويت الإلكتروني من خلال آلية يحدّدها النظام الداخلي للمجلسين.
إنّ تعديل النظام الداخلي لمجلس النواب بهدف إجازة التصويت الإلكتروني ليس بالأمر العسير، ولا يثير خلافات سياسية، وعلى المجلس المبادرة إلى ذلك، لكي نمنع تكرار ما حصل في الجلسة الأخيرة لمجلس النواب؛ إذ من خلال التصويت الإلكتروني ينتفي الالتباس في النتيجة مهما تقاربت الأصوات الرافضة والمؤيدة.
* أستاذ القانون الدستوري في الجامعة اللبنانية والدراسات العليا في الجامعة العربية
 

متى تعدل المادة 28 ويصبح الجمع بين الوزارة والنيابة غير دستوري؟

رأي أمين صليبا الجمعة 29 حزيران 2012
الاخبار
لم يعد من المسموح التعاطي مع قضية تعديل المادة 28 من الدستور اللبناني، التي تجيز الجمع بين النيابة والوزارة، كحقل تجارب لمعرفة مدى التوافق السياسي في لبنان. تمثّل هذه المادة أولوية في أي تعديل مرتقب للدستور اللبناني، كونها لا تمس بالتوازنات التي جسدها تعديل الطائف. ولذا فإنّ تداول فكرة تعديل المادة 28 من الدستور اللبناني بهدف الفصل بين الوزارة والنيابة كانت مبادرة دستورية متقدمة، إن كان من قبل أعلى المرجعيات في الدولة اللبنانية ــ رئيس الجمهورية ــ أو من قبل بعض الكتل النيابية. وقد تحرك هذا الطرح بنحو جدي عن طريق إقرار مجلس الوزراء لمبدأ الفصل بين النيابة والوزارة، بموجب مشروع القانون الدستوري المحال بالمرسوم رقم 6917 تاريخ 18/11/2011، الرامي إلى تعديل المادة 28 والمادة 41 بصورة تبعية، لمعالجة مسألة الشغور في حال تسمية النائب ليكون عضواً في الوزارة الجديدة.لكن يبدو أنّه لا إجماع سياسياً حول المسألة، والدليل على ذلك أنّ لجنة الإدارة والعدل بعد اجتماعها بتاريخ 28/3/2011 لدرس هذا المشروع قد عملت على تأجيل البت به إلى أجل غير مسمى، حسب التسريبات الصحافية. وبذلك يكون هذا المشروع قد وضع في أدراج النسيان، رغم أنّ الوضع الحالي لنص المادة 28 من الدستور فيه مخالفة وتناقض واضح مع ما تتضمنه مقدمة الدستور (التي أدخلت إلى الدستور مع تعديل الطائف في 1990) وهي جزء لا يتجزأ من الدستور، وفيه أيضاً نقض للمبادئ الدستورية العامة المعتمدة في النظم البرلمانية.

أولاً: مراحل الفصل بين الوزارة والنيابة في النظام الفرنسي (1)

نبدأ مع نص المادة 16 من إعلان حقوق المواطن والإنسان الصادر عقب الثورة الفرنسية في آب 1789 التالي نصها: «كل مجتمع لا تتأمن فيه ضمانات الحقوق ولا مبدأ فصل السلطات لا دستور له». ولهذا جاءت تباشير هذا التمسك بمبدأ فصل السلطات في فرنسا بموجب المرسومين الصادرين بتاريخ 7/11/1789 و10/1/1790، وحظّرا ان يكون ممثل الأمة عضواً في السلطة التنفيذية. وعلى هذا الأساس، طبق هذا المبدأ بموجب نص المادة 2 من الباب الثالث الفصل الثاني القسم الرابع من أول دستور لفرنسا الصادر بتاريخ 3/9/1791 بحيث منعت الجمع بين النيابة والوزارة ثم جاءت ملكية تموز (monarchie de Juillet) لتؤكد مجدداً على هذا الحظر بصورة غير مباشرة من خلال القانون الصادر في 12/9/1830، الذي فرض انتخاب نائب جديد بدلاً من الذي تم تعيينه في الوزارة.
لكن المادة 28 من دستور الجمهورية الثانية الصادر في 4/11/1848 والمادة 85 من قانون الانتخاب الصادر في 8/2/1849 قد ميزتا ما بين الوزارة وباقي الوظائف في الدولة، إذ أجازا الجمع بين الوزارة والنيابة. لكن سرعان ما عدل هذا النص بموجب المادة 44 من الدستور الصادر بتاريخ 14/1/1852 (في ظل الامبراطورية الثانية) التي حظرت أن يكون الوزراء من السلطة التشريعية.
لكن دستور الجمهورية الثالثة (في 1870) عاد ليسمح الجمع بين الوزارة والنيابة بالرغم من الاعتراضات التي سجلت في حينه. ولم تنجح كل المحاولات الهادفة إلى حظر الجمع بين الوزارة والنيابة، بدءاً من 1881 لغاية إقرار دستور الجمهورية الرابعة الصادر بتاريخ 27/10/1946، إذ جاءت المادة 45 منه لتجيز الجمع بين الوزارة والنيابة، كما كان معمولاً به في ظل الجمهورية الثالثة. ولهذا تصدى الجنرال شارل ديغول لهذه المسألة اعتباراً من 1955، إذ نجح في إقرار هذا الحظر بموجب المادة 23 من دستور الجمهورية الخامسة الصادر في 1958 التي وسعت دائرة الحظر إلى أبعد من النيابة لتشمل مواقع عامة وخاصة. أصر ديغول على هذا الحظر لأنّه وفق رأيه «السلطة التنفيذية (أي الحكم) هي وظيفة والتشريع (السلطة التشريعية) هي وظيفة أيضاً ويجب أن لا تتوحدا إطلاقاً ولا يجوز للشخص الواحد أن يقوم بالوظيفتين» (2). ويتيح هذا الفصل المزيد من الاستقلالية للسلطة التنفيذية (مجلس الوزراء)، بعد أن حدّد دستور الجمهورية الخامسة نطاق القانون وجعله من اختصاص السلطة التشريعية، بحيث اصبح كل ما هو خارجه من صلاحية السلطة التنفيذية.
هذا الحظر استمر سارياً في النظام السياسي الفرنسي ولم تنجح إطلاقاً كافة المحاولات الهادفة إلى إلغائه، بدءاً من محاولة السناتور بريلو Prélot في 1967، مروراً بمحاولات سبعينيات القرن المنصرم. وتوقفت المحاولات نهائياً بعد 1981، وأصبح مبدأ حظر الجمع بين الوزارة والنيابة من المبادئ الدستورية الأساسية والمستقرة في الفكر القانوني الفرنسي. كما أن اجتهادات المجلس الدستوري الفرنسي قد أكدت هذا الاتجاه وأبطلت قوانين عدّة لها صلة ببعض الوظائف العامة أو الخاصة والتي يشملها الحظر المنصوص عنه في المادة 23.
من خلال هذه العجالة التاريخية المقتضبة نستطيع التأكيد أنّ فرنسا بقيت أمينة على تمسكها بنص المادة 16 من إعلان حقوق الإنسان والمواطن حول أهمية مبدأ الفصل بين السلطات المشبعة بآراء مونتسكيو.

ثانياً: التناقض بين المقدمة والمادة 28 من الدستور اللبناني

من المعروف أنّ الدستور اللبناني ما قبل تعديل الطائف لم يكن يتضمن أي نص يشير صراحة إلى مبدأ الفصل بين السلطات، إنما كان هذا المبدأ مستنبطاً من التقسيم الواضح في الأبواب المتعلقة بالسلطتين التشريعية والتنفيذية، والمادة 20 المتعلقة بالسلطة القضائية، وتمّ تجاوز هذا المبدأ من خلال نص المادة 28 من الدستور. إذ عندما وضعت لأول مرة في 1926 كانت تجيز الجمع بين الوزارة والنيابة أو المشيخة (على أساس وجود مجلس للشيوخ في ظل ذلك الدستور) لكن شرط عدم تجاوز العدد ثلاثة وزراء. وقد صدّق هذا النص بما يشبه الإجماع في المجلس النيابي، إذ لم يعارضه يومها سوى النائب الشيخ يوسف الخازن، الذي رأى «انّه لا يجوز ان يؤخذ للوزارات احد من المجلسين». (انظر:أنور الخطيب ــ المجموعة الدستورية ــ الجزء الرابع ــ مؤسسة عاصي للإعلام والتوزيع بيروت 1970 ص44).
ثم عدلت هذه المادة في 1927 لتبقي على إمكانية الجمع بين الوزارة والنيابة، مع رفع العدد إلى ما لا يقل أو يزيد عن الأكثرية المطلقة من عدد الوزراء، أي إمكانية تسمية النصف +1 من عدد مجلس الوزراء. لم يعارض هذا التعديل يومها سوى النواب:عمر داعوق، عمر بيهم، الأمير فؤاد ارسلان، الشيخ يوسف الخازن، الدكتور أيوب تابت، إميل اده (أنور الخطيب ـ المرجع السابق ص 176-177).
لكن التعديل الذي حصل في 1929 (أي النص الحالي) أبقى على إمكانية الجمع من دون سقف محدد للعدد. وقد نال هذا التعديل يومها أكثرية 39 صوتاً وعارضه كل من: الشيخ يوسف الخازن، والشيخ ابراهيم المنذر (أنور الخطيب ــ المرجع السابق ص 263). ولذا جاء التطبيق العملي لهذه المادة فيما بعد ليشكل مجلس الوزراء أحياناً بكامله من أعضاء من مجلس النواب. كل ذلك بغياب أي نص يخالف هذه القاعدة.
لكن هذا النص للمادة 28 من الدستور أصبح بعد إقرار دستور الطائف، بحالة تناقض مع مضمون المقدمة، لأنّ الفقرة (هاء) من تلك المقدمة نصت على ما يلي «النظام قائم على الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها». هذا التعارض لا يمكن تجاوزه لأنّ الفصل بين السلطات أصبح قاعدة دستورية أساسية واضحة، ولم تعد مستنبطة من نص الدستور كما كان معمولاً به ما قبل تعديل الطائف (حول هذا الأمر انظر ادمون رباط، الوسيط في القانون الدستوري للبنان، ص 828).
ان مسألة الفصل هذه، لا تقبل التأويل كما هي الحال مع مسألتي التعاون والتوازن اللذين يعتبران من بديهيات الأنظمة البرلمانية المشابهة للنظام البرلماني اللبناني. إذ لا وجود للسلطة التنفيذية دون منحها الثقة من السلطة التشريعية. كما انّ مبدأي التعاون والتوازن المنصوص عنهما في مقدمة الدستور اللبناني هو واقع لا مفر منه، إذ من دون تعاون لا يمكن للسلطة التنفيذية الاستمرار في الحكم. كذلك يصبح مبدأ الفصل بين السلطات واقعاً لا يمكن تجاوزه.
إذاً، يتضمن الدستور اللبناني بنصّه الحالي تعارض واضح وصارخ بين نصين واردين في متنه. الأول: المقدمة التي تفرض الفصل بين السلطات، والثاني: المادة 28 التي تجيز الجمع بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. وهذا ما يخالف المنطق العقلاني قبل المنطق الدستوري.

ثالثاً : مخالفة المادة 28 للمبادئ الدستورية العامة

من دون الاستفاضة بشرح ركائز النظام البرلماني المطبق في لبنان، يقول أدمون رباط (3): «صلاحية حل المجلس التي يستطيع رئيس الجمهورية ممارستها إزاء مجلس تظهر فيه علامات الاضطراب أو التمرد، وهو الحق التقليدي الذي يواكب السلطة الإجرائية في كل الأنظمة البرلمانية المعروفة بشرط أن يجد حكومة راضية للموافقة عليه». لذلك يسأل الباحث كيف لرئيس الجمهورية أن يمارس هذه الصلاحية المكرسة بنص دستوري (المادة 55) والتي تعتبر من القواعد الدستورية العامة في الأنظمة البرلمانية، بوجود وزارة يتألف أعضاؤها بالكامل من المجلس النيابي في لبنان، مع العلم أنّ الركيزة الأولى لهذا النظام هو مبدأ الفصل بين السلطات. ترى ألم ينبهنا مونتسكيو منذ أكثر من قرنين من الزمن الى أنّ الطبيعة البشرية بتكوينها تميل إلى الانحراف عند تسلمها أي سلطة ولذا علينا خلق سلطات أخرى لكي نتوصل إلى تطبيق قاعدة «السلطة تحد السلطة» من أجل ضمانات حقوق الإنسان وحرياته؟ هذا هو لب وغاية المادة 16 من إعلان حقوق الإنسان والمواطن التي ذهبت بعيداً بالقول: إن لم يكن هناك مبدأ فصل السلطات لا دستور لهذا المجتمع أو ذاك.
وما دمنا نتحدث عن المبادئ الدستورية العامة علينا تحديد طبيعتها، ومن يحدّدها. إنّ المبادئ الدستورية العامة هي توصيف قانوني اعتمده القضاء الدستوري في العالم مقتبساً ما اعتمده القضاء الاداري حول تمسكه بالمبادئ القانونية العامة والتي استنبطها من خلال اجتهاداته المتتابعة. إذ أضحت مصدراً من مصادر القانون ليعمل القضاء الاداري على إبطال كافة أعمال السلطات الادارية المخالفة لروحية تلك المبادئ القانونية العامة.
ولهذا اعتمد القضاء الدستوري آلية مشابهة ليستنبط من نص الدستور مبادئ دستورية عامة تعتبر ملزمة للمشرع أينما وجد، والأمثلة كثيرة في لبنان ــ أو حول العالم. ومن هذه الأمثلة، قرار المجلس الدستوري اللبناني المتعلق بإبطال قانون تجديد ولاية المجالس البلدية والاختيارية في لبنان أواخر تسعينيات القرن الماضي لأنّ ذاك القانون جاء يومها مخالفاً لمبدأ دستوري غير منصوص عنه في الدستور، وقد استنبطه المجلس الدستوري اللبناني من خلال قراريه رقم1/97 و2/97 تاريخ12/9/1997. القرار يقول إنّ مبدأ دورية الانتخاب هو من المبادئ الدستورية العامة ويجب على المشرع التقيد بها.
إذاً، الدستور اللبناني جاء واضحاً من خلال مقدمة الدستور على إقرار مبدأ الفصل بين السلطات، بحيث لم يعد القضاء الدستوري في لبنان ملزماً بالتدقيق والسعي إلى استنباط هذا المبدأ، لأنّه واضح وصريح، عندما يطرح عليه طعن بقانون يستند إلى خرق مبدأ فصل السلطات. وهذا ما طبّقه المجلس الدستوري في لبنان في معرض قراره رقم2/95 تاريخ25/2/1995، وابطل يومها عبارة «وذلك في غياب القاضي او العضو المعني» من المادة الثانية من القانون 452/1995، لأنّها تنطوي على تدبير غير دستوري، لمخالفتها الضمانات الدستورية المنصوص عنها في المادة 20 من الدستور.
من هنا نستنتج هذا التناقض الواضح بين النصين، إذ لا يجوز أن تبقى المادة 28 على نصها القديم، الذي يخالف مبدأ الفصل بين السلطات. وبعض الآراء التي تتلطى وراء الواقع اللبناني وطبيعته الداخلية، تتمسك بضرورة الاستمرار بتطبيق المادة 28 واجازة الجمع بين الوزارة والنيابة، وموقفها ذاك يتناقض مع النص الدستوري والمبادئ الدستورية العامة التي تهدف إلى التوازن بين السلطات. إذ كيف يعقل أن نقنع أنفسنا أنّ رئيس الجمهورية بموجب سلطاته الدستورية (م55) يستطيع أن يضع موضع التنفيذ مرسوماً يقضي بحل المجلس النيابي، طالما أنّ قراره هذا يرتبط بموافقة ثلثي مجلس الوزراء، الذي يحتوي على عدد كبير من النواب، لن يقبلوا بحل المجلس الذي ينتمون إليه. كما أنّ استمرار هذه المادة من شأنه تعطيل مبدأ دستوري أساسي في الأنظمة البرلمانية والذي يقوم على الرقابة المتبادلة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. إذ هل تقوم السلطة التشريعية باجراء رقابتها الدستورية، على مَنْ هم مِنْ أعضائها ويشكلون السلطة التنفيذية أي مجلس الوزراء؟ أي منطق عقلاني أو قانوني يسلم بفاعلية هذه الرقابة المتبادلة من السلطتين والذي هو أساس نشوء الأنظمة البرلمانية، في ظل الجمع المتاح بموجب المادة 28 من الدستور.

الخلاصة

إذاً، من غير الجائز عدم التحرك الفوري لتعديل المادة 28 من الدستور اللبناني، لأنّ الإبقاء عليها وعلى الجمع بين الوزارة والنيابة إنما يجعل دستورنا بحالة تناقض بين نصين واضحين، يتعطل من خلالها قواعد ومبادئ دستورية عامة تعتبر من أعمدة النظام البرلماني الذي يطبقه لبنان. لذا نأمل من نوابنا الكرام، إن في لجنة الإدارة والعدل، أو في الهيئة العامة، العمل ومن دون تردد على وضع مشروع القانون الوارد لتعديل المادة 28 بموجب المرسوم رقم 6917 قيد البحث الموضوعي. كذلك يجب أخذ العبر من الواقع السياسي الذي يعيشه لبنان في ظل هذا الجمع وما ينجم عنه من تعطيل للحياة السياسية، وذلك بهدف الاسراع في التوافق على تعديل هذه المادة. توافق يتطلب التقاء إرادتي السلطة التشريعية والتنفيذية بأكثرية ثلثي المجلسين وبموافقة رئيس الجمهورية (وفق احكام المادتين 76 و 77 من الدستور) على أن يبحث بموضوعية مسألة تعديل المادة 41 ــ تبعاً لتعديل المادة 28 ــ لإقرار أفضل السبل إلى ملء الشواغر في السلطة التشريعية عندما ينتقى النائب ليكون من عداد السلطة التنفيذية، وتخليه الطوعي عن المقعد النيابي لدخول الوزارة. قد تكون الوسيلة الأفضل هي تطبيق مبدأ النائب الرديف لكل نائب ينتخب في كافة الدوائر الانتخابية، وهذا ما يلقى على عاتق قانون الانتخاب المنتظر، والذي لا شأن له بتعديل الدستور.

هوامش
(1) للمزيد من التفاصيل عن هذه الوقائع يرجى مراجعة مقالة Michel Ceora في François luchaire… La constitution Française Economica 1987 PP 609.
(2) انظر آميل بجاني تقديمه لكتابنا «شرح أحكام الدستور اللبناني»، المؤسسة الحديثة للكتاب ــ طرابلس 2012.
(3) إدمون رباط «الوسيط في القانون الدستوري للبنان» دار العلم للملايين ــ الطبعة الأولى، 1970، ص830.
* استاذ القانون الدستوري في الجامعة اللبنانية وفي الدراسات العليا في الجامعة العربية
 

انتخاب المغتربين اللبنانيّين بين القانون والسياسة

رأي أمين صليبا الأربعاء 20 حزيران 2012

الاخبار
قد تكون المستجدات الطارئة على الساحة اللبنانية لها من الأولوية بمكان، ما يجعلها تتقدم على ما عداها من مشاكل ترتبط بالسياق القانوني والسياسي المؤثرة على المجتمع اللبناني. لكن هذا لا يمنع من التصدي لأمور هامة، لا بدّ من مواجهتها لاحقاً، ولكي نكون على بيّنة منها عند استحقاقها. ومن بين تلك القضايا مسألة مشاركة المغتربين اللبنانيين في الانتخابات، طبقاً لما هو منصوص عليه في قانون الانتخاب رقم 25/2008.كثرت في الآونة الأخيرة التصريحات والمواقف السياسية المتعلقة بتداعيات عدم تمكين المغتربين اللبنانيين المسجلين أصولاً في لوائح الشطب من المشاركة في انتخابات 2013، خلافاً لأحكام الفصل العاشر من قانون الانتخاب رقم 25 تاريخ 8/10/2008. وأقر القانون هذه المشاركة بعد أن تكون وزارتا الداخلية والخارجية قد وضعتا الآليات التي حدّدها القانون لإجراء الانتخابات في الخارج، أسوة بكل الدول.
هذه التصريحات التي صدرت عن أعلى المراجع (لقاء فخامة رئيس الجمهورية مع الإعلاميين المعتمدين في القصر الجمهوري، والتي أكّد عليها أخيراً في حواره في برنامج كلام الناس في 24/5/2012، وكذلك حوار صحافي مع معالي الأستاذ زياد بارود)، توحي بأنّه في حال عدم مشاركة المغتربين في الانتخابات المقبلة سيعرّض العملية الانتخابية للطعن فيها (بالطبع أمام المجلس الدستوري). وبدأت هذه التصريحات تتفاعل في الوسط السياسي، ما دفع إحدى الصحف الى القول: «بعض الأوساط السياسية تسأل هل إنّ عدم تمكين اللبنانيين المقيمين في الخارج من الانتخاب يكون سبباً للطعن في نتائج الانتخابات النيابية».
بداية، وقبل الدخول في شرح موقفنا القانوني من هذا الهاجس، لا بد لنا من القول إنّنا مع وجوب مشاركة المغتربين في الانتخابات، ومن غير الجائز القبول بهذا التقاعس غير المبرر من قبل السلطة التنفيذية بعدم وضعها موضع التنفيذ الآليات التي تسهل هذه المشاركة، كما نص على ذلك قانون الانتخاب.
لا شك أنّ الدستور لم يتطرق في المادة 19 (استحداث المجلس الدستوري) الى آلية الطعن في الانتخابات الرئاسية والنيابية، ومن يحق له ذلك أمام المجلس الدستوري صاحب الاختصاص الحصري في هذا المجال، بل ترك الأمر للقانون العادي. إذ جاءت المادة 46 من القانون 243 (النظام الداخلي للمجلس الدستوري المعدّل عام 2000)، معطوفة على المواد 25-26-27-28 من القانون 250 تاريخ 14/7/1993 (قانون إنشاء المجلس الدستوري) لتحدد صراحة من له الحق في تقديم الطعن في صحة انتخاب نائب. وقد حصر هذا الحق بالمرشحين الخاسرين في الدائرة الانتخابية عينها وذلك لمخالفة النائب الشروط والضوابط الواردة في القانون والتي سهّلت الفوز له. أي أنّ المواطن العادي (مقيم أو مغترب) غير المرشح لا يحق له تقديم طعن في قانونية الانتخابات التي جرت وفق القانون المرعي الإجراء.
أضف إلى ذلك، وبما أنّ المجلس الدستوري عندما يمارس دوره كقاضٍ انتخابي يصبح أكثر تقييداً من دوره كرقيب على دستورية القوانين، إذ عليه تطبيق أحكام قانون الانتخاب والتأكد من أنّ النائب الفائز لم يخالف أحكام القانون، ما أدى الى فوزه بالانتخابات، ولهذا يطبق بشدة مبدأ Extra-petita أي تقيّده بمضمون الطعن ومقارنته مع أحكام القانون.
من خلال هذه النصوص الآنفة الذكر، نستطيع التأكيد أنّه لا يجوز للطاعن توجيه طعنه إلا في صحة نيابة نائب واحد! ولا يجوز أن يمتد طعنه هذا ليشمل العملية الانتخابية برمتها، ولا حتى بدستورية قانون الانتخاب المرعي الإجراء (لأنّ الطعن بدستورية القانون مردود لتقديمه خارج المهلة القانونية). ولنا ما يؤيدنا في ذلك إجماع الاجتهاد للمحاكم والمجالس الدستورية حول العالم بعدم قبول الطعن في العملية الانتخابية برمتها.
أضف الى هذه الحصرية خصوصية لبنانية تتحكم بالطعون الانتخابية والتي ترتكز على التوزيع الطائفي والمذهبي للمقاعد النيابية على صعيد كل دائرة انتخابية، لأن شرطَي الصفة والمصلحة يجب توافرهما في أي طعن يقدم أمام المجلس الدستوري. وإذا كان شرط الصفة لتقديم المراجعة قد حدّد صراحة في المادة 46 (المرشح أو المرشحين الخاسرين) إلا أنّه لم يتطرق الى المصلحة التي يستنبطها المجلس الدستوري من خلال التوزيع المذهبي للمقاعد النيابية، لأنّ من يقدم الطعن بوجه النائب الفائز يجب أن يكون له مصلحة في ذلك. إذ في حال أبطل المجلس الدستوري نيابة النائب الفائز يصبح المجلس أمام حالتين لا ثالثة لهما: فإما أن يقرر حلول الطاعن في المقعد النيابي الذي شغر بالإبطال، أو إعادة الانتخابات بصورة فرعية لملء المقعد الشاغر الذي لا بد من أن يكون المرشح له _ أي الطاعن _ أو أي مرشح آخر من المذهب ذاته.
لهذه الأسباب، يجب أن يكون الطعن موجهاً ضد نائب فائز _ ومن المذهب ذاته _ دون زملائه في الدائرة الواحدة بسبب خرقه (أي النائب الذي أعلن فوزه) وتجاوزه الضوابط القانونية التي حددها القانون والتي وضعت لتأمين المساواة بين المرشحين، ولتأمين الشفافية وصدقية العملية الانتخابية، بحيث يبنى الطعن على أن هذه التجاوزات سهّلت فوز النائب المطعون في صحة نيابته.
هنا، علينا العودة الى الطرح القائل بأنّه: «في حال عدم مشاركة المغتربين في العملية الانتخابية فمن شأنه فتح باب الطعن». قبل كل شيء، لا بد من التأكيد مجدداً أنّ هذا الطعن لا يسري على العملية الانتخابية برمتها. ولذا، علينا حصر الأمر بالحالة الفردية، أي أنّه يفتح الباب للمرشح الخاسر بإمكان الطعن بالفائز من دائرته ومن مذهبه. لنسأل على سبيل النقاش القانوني، ما هي التجاوزات والخروقات التي ارتكبها هذا النائب الفائز لجهة عدم مشاركة المغتربين في العملية الانتخابية؟ وما هو دوره في هذا المنع، لكي يتمسك المرشح الخاسر بهذا السند القانوني لإبطال فوزه، هل هو مسوؤل عن هذا المنع؟ كلا! أضِفْ الى ذلك هل يحق للمجلس الدستوري النظر في أسباب امتناع شريحة واسعة من اللبنانيين المقيمين من المشاركة في الانتخابات النيابية وفي خلفية الأوراق البيضاء؟ بالطبع، لا يمكنه ذلك، لأنّ الأمر خارج عن اختصاصه. إذ إن دور القاضي الدستوري، وفق ما استقر عليه الاجتهاد الدستوري حول العالم، إنما يقتصر على جمع الأصوات في حال كانت متقاربة ولا يتدخل في نسبة الممتنعين (من الداخل) أو عدم المشاركين (من الخارج) إطلاقاً.
كما أن عدم مشاركة المغتربين لا يمكن التعويل عليها لإبطال فوز أي نائب _ حتى لو أراد المجلس الدستوري توسيع اجتهاده، وهذا ما لا نتصوره إطلاقاً _ لأنّه كيف يمكن للمجلس الدستوري أن يتأكد من أنّه لو شارك المغتربون أبناء الدائرة المعنية في الانتخابات، كانوا سيصوّتون الى جانب المرشح الخاسر بالكامل؟ هذا غير منطقي لأنّه بذلك نطلب من المجلس الدستوري أن يبني قراراته على فرضيات، لا على وقائع خالفت قانون الانتخاب، بشكل فاضح، متخطياً بذلك صلاحياته. إذ إن عدم المشاركة وإن كانت خلافاً للقانون، لا يد للمطعون في نيابته بها. إذ لم يعمل هو بصفة شخصية على منع المغتربين من المشاركة، ما يحمّله وزر خرق مبدأ المساواة أو أي مبدأ آخر نص عليه قانون الانتخاب، لكي يعمل المجلس الدستوري على إبطال نيابته.
ختاماً، نقول: على السلطة التنفيذية سرعة العمل على وضع آلية مشاركة المغتربين في الانتخابات المقبلة، والعمل على تقليص الثغر التي تعتري قانون الانتخاب الحالي بهدف تحقيق المزيد من الشفافية والمساواة بين المرشحين. إذ في ظل الضوابط الحالية، نقول وبكل صدق إنّ المجلس الدستوري عاجز عن إحقاق العدالة وتأمين صدقية الانتخابات المقبلة وشفافيتها لألف سبب وسبب. وفي حال تعذر ذلك _ أي مشاركة المغتربين _ نؤكد من خلال هذه العجالة أنّه ليس هناك من أسباب قانونية أو دستورية للتسليم بإمكان الطعن في صحة الانتخابات التي جرت وفق قانون الانتخاب الحالي. إذ إن عدم مشاركة المغتربين إنما تبقى مسوؤلية تقصيرية تتحملها السلطة التنفيذية التي تحاسبها السلطة التشريعية، ليبقى الشعب في النهاية هو الرقيب عليهما، ويعمل على محاسبة السلطة السياسية _ هذا إذا قدِّر له ذلك _ وفي حال شاء من يريد تقديم طعنه على هذا الأساس ننصحه من الآن بعدم التفكير في ذلك، لأن المجلس الدستوري سيردّ الطعن، إذ لا علاقة للمطعون في نيابته بهذه المخالفة القانونية.

في وجوبية تلبية دعوة فخامة رئيس الجمهورية الى الحوار

رأي أمين صليبا الإثنين 11 حزيران 2012

الاخبار
من المتفق عليه فقهاً واجتهاداً ان الدساتير تعتمد في الدول الديموقراطية لقوننة التجاذبات السياسية، لأن الدساتير في النهاية انما تشكل الميثاق المشترك بين مكونات الوطن الواحد، ومنه تستنبط الآليات والضوابط التي يجب تطبيقها في سبيل الحفاظ على هذا الميثاق المدون. في طليعة تلك الضوابط تسمية مرجعية دستورية دون غيرها تتولى مسألة السهر على حسن تطبيق احكام الدستور، والسهر على وحدة وسلامة الوطن. لذا جاء الدستور اللبناني ليوكل هذه المهمة الى فخامة رئيس الجمهورية (م49) دون غيره من السلطات، لا بل ألزمه القسم أمام البرلمان بيمين الاخلاص للأمة والدستور (م50).
ونظراً لأهمية القسَم، نذكّر فقط بالنقاش الدستوري الذي دار ايام الرئيس الراحل الياس سركيس وكيف له ان يتسلم سدة الرئاسة دون حلفه اليمين الدستورية!!! من هنا نرى وجوبية تلبية دعوة رئيس الجمهورية إلى الحوار، لأنه ليس خافياً على أحد دقة المرحلة والخوف من تداعياتها على الكيان وعلى الدستور، والتي كانت وراء هذه الدعوة التي من المفترض تلبيتها على الأقل في ما يتعلق بانعقاد الجلسة الأولى، وذلك لعدة اسباب أولها دقة المرحلة وخطورتها، وثانيها المسؤولية الدستورية بالحفاظ على الوطن التي اناطها الدستور بفخامة رئيس الجمهورية.
في هذا السياق لا بد لنا وعلى سبيل المثال، من التذكير أن رئيس الجمهورية يتمتع بعدة صلاحيات دستورية يقررها بملء ارادته وان كانت صيرورتها (تجسيدها بمراسيم) تقتضي المشاركة في توقيعها من قبل رئيس مجلس الوزراء، لكن الضرورة الى الحوار التي تمليها الاجواء الضاغطة على الوطن، تعتبر من الصلاحيات التي يعود له وبقرار شخصي ــ وفق الاعراف الدستورية ــ الدعوة اليها لكي تتشارك المكونات السياسية في الوصول الى الحل الملائم. لهذا نقول ان هذه الدعوة لا يمكن رفضها ــ على الأقل ــ من قبل المكونات السياسية المشاركة في السلطتين التشريعية والتنفيذية، لأن رئيس الجمهورية وحسب الدستور هو رئيس الدولة التي تتكون بالدرجة الأولى من هاتين السلطتين، وهنا لا بدّ من التذكير بالفقرة 10 من المادة 53 التي أعطت الحق الدستوري لرئيس الجمهورية «عندما تقتضي الضرورة بتوجيه رسائل الى مجلس النواب». بالطبع ان الظروف التي تقضي بتوجيه رسالة الى مجلس النواب تكون على صلة بوقائع واحداث دقيقة يتعرض لها الوطن ولا تكون مجرد رسائل عادية او لكسب الوقت في الأزمات السياسية.
هذه المادة (53) التي عدّلت بموجب اتفاق الطائف حيث ادخلت هذه الفقرة عليها، نرى ان المشرع الدستوري اللبناني ــ وللأسف ــ لم يعطها القوة الالزامية المنصوص عنها في المادة 18 من الدستور الفرنسي التي فرضت على المجلسين (النواب والشيوخ) الاجتماع الفوري للاستماع الى الرسالة الموجهة من الرئيس الفرنسي، وذلك من دون أي مناقشة، أو حذف لأي فقرة منها، والتي تنشر حكماً في الجريدة الرسمية بعد تلاوتها أمام المجلسين، من هنا تتبدّى أهمية الرسائل التي يوجهها رئيس الجمورية الى البرلمان، إن في فرنسا او في لبنان.
علينا ان نحافظ على الصلاحيات الدستورية (العرفية) لرئيس الجمهورية خاصة عندما تكون لمواجهة أدق الظروف التي تهدّد الكيان والوطن كما هي الحال مع الدعوة الحالية إلى الحوار بهدف السعي إلى التوافق لاجتراح مخرج ــ رغم استحالته ــ يمكّننا، وبتوافق بحدّه الأدنى، من انقاذ الوطن وتحصينه من العواصف المتعددة التي تحصل في محيطه القريب والبعيد على حد سواء، لأن أي تأخير في الوصول الى مثل هذا التوافق قد يعرض الكيان للخطر والمجهول. لن اطيل في شرح المزيد من الوجوبية السياسية التي تقضي بتلبية هذه الدعوة، إذ مع كامل تقديري لكل المكونات السياسية ونظرتها الى نتائج هذا الحوار ــ حيث يذهب البعض منها الى المجاهرة بعدم جدواها، وهذا حق دستوري وديموقراطي لكل منها ــ، يبقى ان نقول ان تلبية الدعوة الى الحوار هي واجب دستوري ــ وان كان غير منصوص عنه في الدستور وغير ملزم ــ علينا التقيد به كقادة سياسيين قبل عامة الشعب، بهدف الحفاظ على الحد الأدنى من الصلاحيات الدستورية ــ القليلة ــ التي حفظها الدستور لفخامة رئيس الجمهورية. أضف الى كل ذلك الخطر الواضح الذي يهدد الوطن والذي لا يمكن التصدي له إلّا بالتوافق والتضامن بحدّه الأدنى بين مختلف الاطراف والمكونات اللبنانية. وعليه نتمنىّ عدم اضاعة فرصة الحوار هذه التي باركتها بعض المراجع الاقليمية والدولية، كونها تشكل الفرصة الأخيرة لحماية الوطن، لا سيما ان المشاركة في الحوار من شأنها التخفيف من احتقان الشارع، الذي هو في النهاية ــ أي الاحتقان ــ يشكل الخطر الداهم على السلام الأهلي والوحدة الوطنية، التي هي ضالة كل مكون (سياسي) من مكونات هذا البلد صغيراً كان أو كبيراً، لأنه لا مصلحة لأي مكون، ولجمهوره، في انهيار السلم الأهلي رغم الهشاشة المتحكمة فيه، لأن الناس لم تعد قادرة على التحمل أكثر مما هي عليه.
* عميد دكتور ــ رئيس هيئة الاركان الأسبق في قوى الأمن الداخلي

 

abdogedeon@gmail.com

ABDO GEDEON   توثيق